في عمق الصحراء الشرقية، بين مدينة فقط بمحافظة قنا وساحل البحر الأحمر عند مدينة القصير، يمتد طريق قديم وصامت اسمه "وادي الحمامات" لكنه ليس مجرد ممر صحراوي مهجور… بل هو أرشيف مفتوح محفور في قلب الجبال، كتبه المصريون القدماء قبل آلاف السنين، وما زال صامدًا كأن الزمن نسيه منذ فجر الحضارة، كان وادي الحمامات طريقًا حيويًا يربط وادي النيل بالبحر الأحمر سلكه الفراعنة في رحلاتهم إلى بلاد بونت، وجلبوا منه الأحجار الكريمة، والمرّ، والبخور، وكل ما كان يزيّن المعابد ويُبهج الأرواح وفي طريقهم، كانوا يحفرون على جدران الوادي أسماءهم، دعواتهم، مشاهد من الرحلات… فصار الجبل نفسه دفترًا منقوشًا لتاريخ لا يُنسى متحف لا يحدّه سقف تخيّل أن تمشي في طريق عمره أكثر من 4,000 سنة، وتجد على الصخور أسماء فراعنة مثل "رمسيس الثالث"، و"منتوحتب"، بل وحتى كتّاب وعمّال تركوا توقيعاتهم هنا وهم يحملون حجارة البازلت والغرانيت التي كانت تُستخدم في بناء المسلات والمعابد أكثر من 200 نقش فرعوني منتشر على جوانب الوادي، تحكي عن البعثات التعدينية، وعن مشقّات الطريق، وعن لحظات فخرهم حين وصلوا المكان الذي لا تجرؤ فيه على الكلام بصوت عالٍ حين تقف هناك، في قلب وادي الحمامات، وتُحيط بك الصخور من كل جانب تشعر أن الصمت له وزن، وأنك تمشي على أرض مشبعة بآثار أقدام مجهولة، كأن الزمن تجمّد قليلًا، ليمنحك فرصة أن ترى مصر كما لم تُرَ من قبل حين تتكلم الصحراء في زمن كثُرت فيه الصور المتشابهة، والرحلات السطحية، يظل وادي الحمامات تجربة من نوع آخر لا تخرج منه بصورة تذكارية فقط، بل بإحساس أنك مررت بطريق سار فيه الفراعنة، وتركوا لك تحية على جدار

_1599390662.jpg)