قبل أن تُنقل معابدها إلى جزيرة أجيليكا، كانت جزيرة فيلة القديمة واحدة من أقدس بقاع مصر، ومركزًا لعبادة الإلهة إيزيس في العصور الفرعونية المتأخرة. كانت الجزيرة الصغيرة تتربع وسط النيل قرب أسوان، وتغمرها المياه معظم العام بعد بناء خزان أسوان، لكنها رغم ذلك حافظت على هيبتها كمزار مقدس ومقصد للحجاج من مصر وخارجها في العصور المصرية القديمة، ارتبطت فيلة بأسطورة إيزيس وأوزوريس وحورس. كان يُعتقد أن جسد أوزوريس أو جزءًا منه قد استقر هناك، ولهذا تحولت الجزيرة إلى مركز رئيسي للعبادة. وظلت هذه القدسية ممتدة عبر العصور الفرعونية واليونانية والرومانية، حتى العصور المسيحية التي شهدت تحويل بعض المعابد إلى كنائس العمارة على الجزيرة رغم صغر مساحة الجزيرة، إلا أنها كانت غنية بالمعابد والأبنية المهيبة، أهمها معبد إيزيس: تحفة معمارية بطلمية ورومانية، مليئة بالنقوش التي تحكي قصة الإلهة معبد حتحور: الذي عُرف بزخارفه الموسيقية وأعمدته المزينة المقصورة النوبية: التي بناها ملك نوبي تكريمًا للجزيرة أطلال الكنائس القبطية: التي تجسد انتقال المكان من مركز لعبادة فرعونية إلى صرح مسيحي مأساة الغرق مع بناء خزان أسوان عام 1902، ارتفع منسوب المياه وغمرت الجزيرة معظم العام، مما جعل معابدها تبدو وكأنها طافية فوق سطح النيل. استمر هذا الوضع لعقود طويلة، حتى هدد مياه النيل بزوالها تمامًا الإنقاذ وإعادة الميلاد في ستينيات القرن الماضي، ومع بناء السد العالي، أُطلق مشروع دولي ضخم لإنقاذ آثار فيلة. جرى تفكيك المعابد حجرًا حجرًا ونقلها إلى جزيرة أجيليكا المجاورة، لتُحاكي الموقع الأصلي. وبهذا انتهى عهد جزيرة فيلة القديمة، لكن ذاكرتها ما زالت حاضرة في وجدان المصريين والعالم إرث خالد اليوم، ورغم اختفاء فيلة القديمة تحت مياه النيل، فإن قصتها تمثل درسًا خالدًا في الحفاظ على التراث الإنساني، ودليلاً على عظمة الحضارة المصرية وقدرتها على تحدي الزمن والمياه معًا جزيرة فيلة القديمة ليست مجرد مكان غارق في النيل، بل صفحة من كتاب الأساطير المصرية، تروي كيف تعانقت العقيدة مع الطبيعة، وكيف ظل صوت إيزيس يتردد بين الجدران حتى بعد أن ابتلعتها المياه

_1599390662.jpg)